عمر فروخ

606

تاريخ الأدب العربي

أيها الناس : إنّي قد ابتليت بهذا الأمر من غير رغبة كانت مني ولا مشورة من المسلمين ، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم . ( فصاح الناس كلهم أنهم يريدونه للخلافة ، فتابع كلامه وقال ) : أوصيكم بتقوى اللّه فإنّ تقوى اللّه خلف من كلّ شيء ، وليس من تقوى اللّه عزّ وجل خلف « 1 » . واعملوا لآخرتكم ، فإنه من عمل لآخرته كفاه اللّه تعالى أمر دنياه . وأصلحوا سرائركم يصلح اللّه الكريم علانيتكم . وأكثروا ذكر الموت وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم هادم اللذّات « 2 » . وإنّ من لم يذكر من آبائه - فيما بينه وبين آدم - حيّا لمعرق في الموت « 3 » . وإنّ هذه الأمة لم تختلف في ربّها عزّ وجلّ ، ولا في نبيّها صلّى اللّه عليه وسلّم ولا في كتابها ، وإنّما اختلفوا ( أي أفراد الأمة ) في الدينار والدرهم . واني ، اللّه ، لا أعطي أحدا باطلا ولا أمنع أحدا حقّا . إني لست بخازن ، ولكني أضع حيث أمرت « 4 » . أيّها الناس : إنه كان قبلي ولاة تجترّون مودّتهم « 5 » بأن تدفعوا بذلك ظلمهم عنكم . ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . من أطاع اللّه وجبت طاعته « 6 » ، ومن عصى اللّه فلا طاعة له . أطيعوني ما أطعت اللّه فيكم « 7 » ، فإذا عصيت اللّه فلا طاعة لي عليكم . أقول قولي هذا وأستغفر

--> ( 1 ) لو أضاع الانسان كل شيء ( من دنياء ) لعوضته التقوى ذلك كله ( في الآخرة ) . ولكن لو ترك تقوى اللّه ( في هذه الدنيا ) لما نفعه شيء قط . ( 2 ) هادم اللذات : الموت . ( 3 ) إذا كان الانسان يعلم علم اليقين أن جميع أسلافه بلا استثناء قد ماتوا ، فهذا دليل على أنه هو أيضا سيموت . معرق في الموت : الموت يأخذ من اسلافه واحدا واحدا منذ زمن قديم جدا . ( 4 ) أنا لا أضن بشيء على أحد منكم ، ولكني أعطي من أمرني اللّه أن أعطيهم . ( 5 ) تجترون مودتهم : تظهرون المودة لهم بأفواهكم ( كالبهيمة تخرج الطعام من جوفها لتعيد مضغه من غير أن يكون في ذلك زيادة في طعامها ) . ( 6 ) إذا كان الخليفة يطيع اللّه فقد وجب على الرعية أن تطيع ذلك الخليفة . ( 7 ) استمروا في طاعتي ما دمت أنا مستمرا في طاعة اللّه .